ابن قيم الجوزية
664
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأوزارهم . بل يعاقبون من يذكره بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله . ويرمونهم بالأدواء التي هم أحق بها وأهلها ، وحسب ذي البصيرة وحياة القلب : ما يرى على كلامهم من القسوة والمقت ، والتنفير عن محبة اللّه عز وجل ومعرفته وتوحيده « 1 » . واللّه المستعان . وقال تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الأنعام : 52 ] وقال أحبابه وأولياؤه إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 ) [ الإنسان : 9 ] . وقال تعالى : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) [ الليل : 19 ، 20 ] فجعل غاية أعمال الأبرار والمقربين والمحبين : إرادة وجهه . وقال تعالى : وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ( 29 ) [ الأحزاب : 29 ] فجعل إرادته غير إرادة الآخرة . وهذه الإرادة لوجهه موجبة للذة النظر إليه في الآخرة ، كما في « مستدرك الحاكم » « وصحيح ابن حبان » في الحديث المرفوع عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنه كان يدعو « اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق : أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي ، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي . وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة . وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى . وأسألك القصد في الفقر والغنى . وأسألك نعيما لا ينفد . وأسألك قرّة عين لا تنقطع . وأسألك الرضى بعد القضاء ، وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك . وأسألك الشوق إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلّة . اللهم زينا بزينة الإيمان . واجعلنا هداة مهتدين » . فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذة النظر إلى وجه اللّه ، وعلى ثبوت الشوق إلى لقائه . وعند الجهمية لا وجه له سبحانه ولا ينظر إليه ، فضلا أن يحصل به لذة . كما سمع بعضهم داعيا يدعو بهذا الدعاء فقال : ويحك ! هب أن له وجها ، أفتلتذ بالنظر إليه ؟ . وفي الصحيح عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان : أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما . وأن يحب المرء لا يحبه إلا للّه . وأن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه اللّه منه - كما يكره أن يلقى في النار » . وفي « صحيح البخاري » عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه تعالى : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب . وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ من أداء ما افترضته عليه . ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . ولئن سألني لأعطينّه ، ولئن استعاذني لأعيذنه » وفي « الصحيحين » عنه أيضا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أحبّ اللّه العبد دعا جبريل ، فقال : إني أحب فلانا ، فأحبه . فيحبه جبريل . ثم ينادي في السماء ، فيقول : إن اللّه يحب فلانا فأحبوه . فيحبه أهل السماء . ثم يوضع له القبول في الأرض » . وذكر في البغض عكس ذلك .
--> ( 1 ) الصوفية - واللّه - أحق بهذه الأوصاف أكثر من الجهمية . بل هم الأصل وعنهم تولد الجهمية وغيرهم على الحقيقة ، وإن لبسوا جلود الضأن في بعض المناسبات تقية .